آل مبارك.. آل ساويرس.. الدولة ورأس المال

02 Oct 2009, written by

قفز اسم الرأسمالى المصرى “نجيب ساويرس” إلى قمة الأضواء خلال الثلاث سنوات الماضية جنبا إلى جنب رجال الدولة والسياسة ونجوم الفن والرياضة، وارتبط اسمه العام الماضى بكم هائل من الأحداث من إغلاق الصحف حتى تطوير السينما المصرية والسعى لشراء قنوات فضائية  ومن صراع الديناصورات فى التليفون المحمول حتى تنظيم بطولات الاسكواش.

تمتلك عائلة ساويرس مشروعات ضخمة فى مصر تشمل مجالات المقاولات والإنشاءات والصناعة والسياحة والتكنولوجيا، تجاوزت ثروة  “نجيب ساويرس” المليار دولار وهو الأشهر بين اخوته رغم أن شركته هى الأصغر من حيث رأس المال والبيزنس، فهو نائب رئيس مجموعة “أوراسكوم تكنولوجى” ورئيس مجلس إدارة شركة “موبينيل”، ويدير “ناصف ساويرس” الأخ الأوسط فى العائلة قطاع المقاولات، بينما يدير “سميح ساويرس” -الأخ الأصغر- مشروعات التنمية السياحية وهم يشكلون عائلة ساويرس أغنى العائلات المصرية على الإطلاق اليوم. تقدر ثرواتهم مجتمعين بعشرات المليارات من الدولارات، حيث يتردد أن استثمارات عائلة ساويرس فى الخارج كبيرة جدا ربما تفوق حجم استثماراتهم فى مصر. ويبلغ عدد العمالة لدى عائلة ساويرس 20 ألف عامل وموظف.

وتدعم عائلة ساويرس عدة أنشطة رياضية وثقافية بالطبع على سبيل الدعاية والإعلان، فهم قد قاموا بتمويل جزء كبير من أوبرا عابدة  وتمويل مهرجان القاهرة السينمائى العام الماضى. وترعى العائلة أكثر من 12 حفلا سنويا فى المجال الرياضى وتمويل بطولات الاسكواش لعبة مبارك المفضلة.

تصف الصحف المصرية والأجنبية آل ساويرس بأنهم فى طريقهم إلى التحول إلى نمط “فورد” و “روكفلر” فى الولايات المتحدة و “رود تشيلد” و “سكردور” فى بريطانيا، و”فيلكس وكروب” و “سيمنس” فى ألمانيا و “بيجو” فى فرنسا، وهؤلاء هم عمالقة الرأسمالية فى هذه الدول. ويصرح “نجيب ساويرس” كبير العائلة لجريدة “الفاينانشيال تايمز” البريطانية فى نهاية الشهر الماضى: “نحلم بأن نصبح فودافون وايرتاتش المنطقة” وهما من أكبر شركات الاتصالات فى العالم.

السؤال المطروح الآن: كيف صعد آل ساويرس إلى قمة الهرم الرأسمالى؟

عاد آل ساويرس إلى العمل وممارسة البيزنس مع بداية سياسة الانفتاح الاقتصادى بعد قضاؤهم أكثر من عشرين عاما فى الخارج وخلال أقل من عشرين عاما استطاعت العائلة أن تستعيد مكانتها فى الاقتصاد المصرى -حيث كانت من أهم أغنى العائلات فى مصر قبل يوليو 1952.

فقد أدرك آل ساويرس أنه لا يكفي الشركات الكبرى استخدام قوتها الاقتصادية وحدها لتحقيق سيطرتها وزيادة أرباحها على حساب جماهير الطبقة العاملة، وإنما عليها كذلك انتزاع قدر من الغنائم على حساب الشركات المنافسة، حيث يبدأ ممثلو الشركات الكبرى فى تعميق الصلات الشخصية بينهم وبين كبار رجال الدولة وعائلاتهم،  وهنا يستغل كبار رجال الدولة وظائفهم وعلاقاتهم الرسمية لخدمة الشركات الكبرى أملا فى ترشيحهم للمناصب ذات المرتبات العالية فى المشروعات الرأسمالية الكبرى.

وفى ظل نظام مبارك تزايدت الصلات الشخصية بين رجال الأعمال وأبناء الرئيس (علاء وجمال) والمسئولين الكبار فى الدولة والوزراء وأبناؤهم واتسعت شبكة النسب والمصاهرة بينهم، وتعد هذه الوسائل من أهم الأدوات التى تلجأ إليها الرأسمالية لدعم سيطرتها وبدأت الحكومة فى عرقلة جميع التدابير الموجهة لكبح جماح الرأسماليين من أجل انتزاع فائض القيمة (الأرباح) من الطبقة العاملة بصورة أكبر عن طريق تغيير القوانين التى تحكم علاقة العمل المأجور بالرأسمال. وعلاقة ساويرس بجمال وعلاء مبارك واضحة ومعروفة.

وأصبح الفساد فى ظل عهد مبارك أكثر من أى وقت مضى نظاما فيه يعرف الرأسماليين بكل دقة من الذين يلزم رشوتهم والمبلغ المطلوب تقديمه لهم، وهم فى النهاية على ثقة بأنهم سوف يحصلون على التراخيص اللازمة لشركاتهم. وفى ظل هذا النظام يأخذ رجل الدولة وكبار الوزراء أو من ينوب عنهم (مثلا فى حالة مبارك ابناه جمال وعلاء) حصة محددة بوضوح من الأموال كى تمر الصفقة، وهذا هو ما حدث بالضبط مع آل ساويرس فلم يكتف مبارك فقط بإهداء هذه العائلة أكثر من 10 ملايين متر مربع شمال الغردقة بالبحر الأحمر بسعر يكاد يكون مجانيا وهى المساحة التى أقيمت عليها قرية الجونة بملاعب الجولف والاسكواش، وسعر المتر فى هذه الأرض اليوم يتجاوز عشرات الجنيهات.

لم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل أعطى شركة التليفون المحمول لآل ساويرس وشركائهم بأقل الأسعار.

عرفت مصر التليفون المحمول فى نوفمبر 1996 ضمن خدمات الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية وتأسست شركة التليفون المحمول (أرنتو) بواسطة الهيئة وبنوك القطاع العام التجارية الأربعة وعدد من المؤسسات العامة.  وفى شهر يوليو 1997 أعلنت وزارة النقل والموصلات أنها تنوى إسناد مسئولية التليفون المحمول إلى بنوك القطاع العام، لكن فى فبراير 1998 أعلنت وزارة النقل والموصلات بيع شبكة التليفون المحمول إلى كونسورتيوم (مجموعة شركات) يضم شركات “اوراسكوم تكنولوجيز” إحدى شركات مجموعة أوراسكوم  المملوكة لنجيب ساويرس و “وفرانس تليكوم” الفرنسية و”موتورولا” الأمريكية،  ووقعت الصفقة فى أبريل 1998 بقيمة 2،2 مليار جنيه وهذا بشراء حصص البنوك والمؤسسات العامة والبالغة 70% من أسهم الشركة وتم طرح 30% للاكتتاب العام.

وهكذا تأسست الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول المعروفة باسم “موبينيل”.

هذه الصفقة مع ساويرس وشركائه تضمنت كشفا كبيرا لحجم الفساد المستشرى فى هذا البلد وهو ما حدث أيضا مع بيع ترخيص الشبكة الثانية للتليفون المحمول لمجموعة شركات محمد نصير وشركاه الأجانب عند تأسيسهم لشركة (كليك) للتليفون المحمول، حيث قامت هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية بتضليل الشركات المصرية والعالمية التى تقدمت بعروض لتنفيذ وتشغيل شبكة موبينيل وشبكة كليك بهدف ترسية العطاء على شركات محددة بعينها نظرا لدفعها رشاوى كبيرة لكبار رجال الدولة.

فرغم تقدم عشرات الشركات لشراء كراستى الشروط الخاصة بشركتى التليفون المحمول، فقد فوجئت هذه الشركات بمراوغات من جانب الهيئة لمنعها من الحصول على كراسات الشروط، واكتشفت هذه الشركات أن الهيئة سمحت لشركات بعينها فقط بشراء كراسات الشروط كما أشارت جريدة الوفد فى 1/1/1998. وظهر منشور سرى موقع باسم “بيل مارتن” الذي قدم لمصر ممثلا لواحدة من أكبر شركات التليفون فى أمريكا بتاريخ 25 يونيو 1998. وقد وزع هذا المنشور على الصحف ووكالات الأنباء والسفارات تحت عنوان “فضيحة الموبينيل” كتب فيه “بيل مارتن”  تجربته مع آل ساويرس والهيئة مستنجدا “بمادلين أولبرايت” وزيرة الخارجية الأمريكية. بالتأكيد نحن نعلم أن هذه المعركة بين المستثمرين أجانب ومصريين هى على اقتسام الغنيمة ومشكلة بيل مارتن هى أنها معركة غير متكافئة حيث تقف الدولة مع ساويرس وشركاه المختارين واجبر هو والمستثمرين الآخرين على الخروج من اللعبة حيث كانت مبالغ الرشوة فى الصفقة المطلوبة منهم فوق طاقاتهم، ومن هنا ظهر المسروق كما يشير المثل الشعبى عندما يختلف اللصين – وهذه بعض الفقرات المنقولة حرفا من منشور الرأسمالى الأجنبى بيل مارتن :

” كنت فى مهمة فى مصر ممثلا لواحدة من أكبر شركات التليفون فى أمريكا والتى ترغب فى المزايدة والمنافسة فى نظام التليفون جى-إس- إم. فى مصر كان معى الرئيس التنفيذى للشركة ذهبنا إلى الوزارة المعنية (وزارة الموصلات السلكية واللاسلكية) للتسجيل للمنافسة على المشروع … وفى مساء نفس اليوم اتصل بنا شخص لم نكن نعرفه من قبل فى الفندق الذى نقيم فيه – نجيب ساويرس- ودعانا للعشاء وقبلنا الدعوة وحضر لاصطحابنا وكان يرتدى كرجل أعمال ولكن كان يبدو كقواد إيطالى!!

أخذنا إلى كباريه قذر وقال أنه ملك عائلته وأحضر أخيه الصغير وثلاث فتيات روسيات من فتيات الكباريه وقال إنهن هدايا لنا فترة إقامتنا فى مصر وأثناء العشاء أخبرونا انه لم تكن هناك عطاءات لمشروع التليفون المحمول وأن العملية مطبوخة وفى أيديهم وأننا غير متضمنين فى هذا الترتيب وهو أخوه نصف السكران كانوا واثقين جدا من كلامهم فكان ردنا انه لابد من تقديم العطاء لأن الاتفاق معهم غير قانونى….قالوا ممكن شركاء بنسبة بسيطة لكن كل السيطرة لهم !! … فى اليوم التالى نجيب كلمنا وعزمنا على العشاء فى كباريه آخر وقال أنه ملكه أيضا وأحضر معه فتاتين مصريتين لا يتعدى عمرهما 17 سنة وقال أنه ممكن أن يقضيا الليل معكم فى غرفكم!! وكان معه واحد مسئول حكومى كبير اسمه طلعت حماد (وزير شئون مجلس الوزراء) وكان يضغط علينا جدا وقال أن هناك 200 مليون جنيه رشوة فى المشروع وهيكون 100 مليون منهم لرئيس الوزراء كمال الجنزورى و100 مليون لابن الرئيس جمال مبارك !!! ولم نستمر أكثر من ذلك مع نجيب أو نصاب الحكومة واعتذرنا عن انتهاك القانون(!) وتركناهم فى أدب وذهبنا فى اليوم التالى للوزارة المعنية لتسجيل أنفسنا فى المناقصة وقالوا لنا تعالوا بكرة وعند رجوعنا للفندق وجدنا أن جميع الأوراق الخاصة بمناقصة التليفون المحمول قد سرقت من الغرفة وبعد ساعة اتصل نجيب ساويرس أن نتقابل فرفضنا وطلبنا من مكتبنا فى أمريكا إرسال أوراق أخرى فورا وبعد يومين وضعنا الأوراق والمستندات فى الوزارة المختصة وبعد أسبوعين قالوا أنهم لم يستلموا أى أوراق أو مستندات!!!

حضر فريق آخر من شركتنا بأوراق ومستندات جديدة وكالسحر عرف نجيب ساويرس عنهم وعرض عليهم بنات وطلب منهم عدم مقابلته والحذر من التواطؤ معهم لكن الوزير طلعت حماد حضر إلى الفندق مصرا على المقابلة ومرة أخرى كان يضغط بطريقة تهديدية كمسئول حكومى مفوض واخبر زملائنا صراحة أن الحكومة المصرية تريد شركتنا أن تتعاون تعاون تام مع نجيب ساويرس وأن المشروع مشروع ساويرس بأمر الرئيس مبارك وأخيرا عرفنا أن عملية المناقصة كلها مرتبة مسبقا وتم خصخصة شركة التليفونات الحكومية الأصلية (أرنتو) والآن موبينيل هذه الشركة كانت تستحق بأى حال من الأحوال اكثر مما دفعه ساويرس ومجموعة الموبينيل فيها وكان يجب أن تباع بسعر اعلى بكثير.

من الذى قام بالتقييم فى خصخصة أرنتو؟  كانت شركتنا ستدفع مليار و250 مليون دولار أى 664 مليون دولار (2،2 مليار جنيه مصرى) أكثر من موبينيل. لقد أعطيت الموبينيل كهدية من رئيس الوزراء الجنزورى من أجل الرشوة… فى بلد محترم لابد من طرد ومحاكمة هذا الوزير غير الأمين طلعت حماد ولا بد من إعادة طرح المشروع عالميا بطريقة شريفة حتى ينال الشعب المصرى والحكومة المصرية 2 مليار جنيه مكسبا سرقها منهم ساويرس بالإضافة إلى 3.2 مليار جنيه فى الأربع سنوات القادمة ليصبح الإجمالى المسروق من الشعب الفقير5.4 مليار جنيه!”.

يوضح هذا المنشور كم  الفساد المستشرى فى هذه الدولة فى ظل نظام مبارك مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الرأسمالى “بيل مارتن” الذى يتحدث كالحمل الوديع كاذب فيما يتعلق باحترامه للقانون وحرصه على أموال الشعب المصرى حيث أن المسألة مسألة مكسب وخسارة ولا تتعلق بالأخلاق، فلكى نعرف أخلاق الرأسمالية لا يسعنا هنا إلا أن نتذكر الصيحة التى انطلقت على لسان أحد الصحفيين الإنجليز والتى أوردها ماركس فى (رأس المال) :”يقال أن رأس المال ينشر الاضطرابات والنزاعات وأنه جبان رعديد وهذا هو الحق كل الحق، ولكنه لا يكفى لحسم الأمور إن 10% من الأرباح تضمن له أن يخترق أى مجال ومن المؤكد أن تؤدى 20% إلى أن يزداد تلهفا وسعارا وأن تدفعه 50% إلى التهور والوقاحة بلا مواربة وسوف تجعله 100% على استعداد كامل إلى أن يسحق تحت قدميه كافة القوانين الإنسانية أما 300% فلن يكون لديه أى وازع يمنعه من ارتكاب أى جريمة وإن كانت تحمل فى طياتها المجازفة بحياة صاحب رأس المال نفسه”.

والأمر الذى يؤكد كلام هذا المستثمر فيما يتعلق بالفساد فى صفقة المحمول هو ما حدث مع رؤساء مجالس إدارات بنوك القطاع العام التجارية الأربعة حيث باعت حصتها لنجيب ساويرس بأقل من سعر السوق وعندما سأل أحد الصحفيين محمود عبد العزيز رئيس مجلس إدارة البنك الأهلى ووكيل المؤسسين فى الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول لماذا بعتم حصتكم بهذا السعر البخس؟ قال لا تعليق لقد جاءت لنا أوامر من فوق بيعوا فبعنا!!!

وهكذا يتضح أن الثروة فى ظل الدولة الرأسمالية تمارس سلطتها كما يشير “إنجلز”:  “بصورة غير مباشرة ولكن بالشكل الأضمن أولا عن طريق الرشوة المباشرة للموظفين، وثانيا عن طريق التحالف بين الحكومة ورجال الأعمال”. فرأس المال إذ يستولى على الدولة عن طريق رجال الحكومة والوزراء وأعضاء البرلمانات بالرشوة – الفساد- أو بالتحالف معهم يقيم سلطته على أساس قوى مضمون لحد لا يمكن معه لأى تبديل فى الأشخاص ولا فى المؤسسات أن يزعزع سلطته.وهذا يكشف إن المجال الجوهرى لرجل الدولة الأول وحتى أصغر مسئول حكومى هو ليس صنع السياسة فقط وإنما يتمثل مجال عمله فى تحوير وتعديل القوانين وتطبيق القواعد لخدمة رأس المال فالدولة هى التى تصدر التشريعات المالية والجمركية الملائمة وهى التى تقدم القروض وتمنح العقود والامتيازات العينية (العقارات، ملكية الأسهم فى المنشآت التى يجرى خصخصتها كما حدث فى الموبينيل وكما سيحدث فى الشركات الكبرى المزمع خصخصتها ) ولهذا التعاون المتبادل بين رأس المال والدولة دلالات هامة حول الوضع الطبقى لمن يديرون الدولة وحتى لو كانوا لا يملكون أجزاء من رأس المال بشكل فردى فإنهم مدفوعون لأن يكونوا وكلاء للرأسمالى وأن يكونوا بحسب تعريف ماركس جزءا من الطبقة الرأسمالية مع استمرار الوظيفة الأصلية للدولة كأداة لقمع ونهب الطبقة العاملة وجموع الفقراء وحماية المصالح العامة للطبقة الرأسمالية ككل.


Promote This Post

1 Comments

[...] آل مبارك.. آل ساويرس.. الدولة ورأس المال [...]

http://egytimes.org/wp-content/themes/platform